joomlti
 
Views :359
حوار مع خالد محي الدين

عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو1952 عن أزمة مارس 1954


وتأثير حدتو في تنظيم "الضباط الأحرار"  
   أجرى الحوار أحمـد القصـير

 


أجريت هذا الحوار عام 1972 مع خالد محي الدين القطب البارز في مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 حول أزمة مارس 1954 بشأن الديمقراطية وشكل الحكم. ولا تعود أهمية شخصيته فقط إلى أنه تخلي عن المشاركة في السلطة عندما ابتعدت الثورة عن المسار الديموقراطي وإنما تعود إيضا إلى أدواره قبل الثورة. فقد أتاح له انتماؤه إلى حدتو من جانب وعلاقته الشخصية والسياسية بعبدالناصر من جانب آخر أن يقوم بالتنسيق بين حدتو وتنظيم الضباط الأحرار في بعض الأمور. كما أنه كان ثانيا أحد الضباط الخمسة الذين أسسوا تنظيم الصباط الأحرار ذاته. ومن جانب ثالث أسهم بدور مميز في بناء ذلك التنظيم؛ فهو الذي وضع برنامج الضباط الأحرار بالاشتراك مع زميل له في حدتو وهو القاضي أحمد فؤاد. كما كان أحد الثلاثة الأساسيين الذين يكتبون منشورات الضباط الأحرار. والثلاثة هم أحمد حمروش المسؤول السياسي لقسم الجيش بحدتو وأحمد فؤاد مسؤول الدعاية بذلك القسم وخالد محى الدين عضو اللجنة التنفيذية لتنظيم "الضباط الأحرار".

 وكان عبدالناصر يعلم صلة أحمد فؤاد وخالد محي الدين بحدتو لكنه لم يكن يعلم شيئا في هذا الصدد عن أحمد حمروش. وفضلا عن كل ذلك كان خالد محي الدين يتمتع بنفوذ سياسي وسط ضباط سلاح الفرسان. كما كان بذلك السلاح بعض الضباط المنتمين لحدتو أيضا ولعبوا دورا في بناء تنظيم الضباط الأحرار وفي نشر فكرهم الوطني التقدمي بين ضباط السلاح.

 وقد تحمل هؤلاء الضباط لمصاعب وتعرضوا لمحاكمات والطرد من الجيش لإصرارهم على عودة الحياة البرلمانية وإقامة جمهورية برلمانية. وكانت مواقفهم وراء إصدار مجلس قيادة الثورة  قرارات  5 مارس 1954 التي نصت على إلغاء الأحكام العرفية وإلغاء الرقابة على الصحف ووضع دستور عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة. كما أن مواقفهم كانت أيضا من أسباب صدور قرارات 25 مارس. ونذكر من هؤلاء الضباط أمال المرصفي وأحمد قدري وعثمان فوزي.

وحسبما يتضح من الكلمة التي وجهتها إلى القارئ، عندما تم نشر الحديث خارج مصر عام 1972، فإن الهدف من إجراء ذلك الحوار هو طرح الوقائع التاريخية في مواجهة الذين يحاولون تشويه التاريخ. وكان بينهم محمد حسنين هيكل الذي وقف أيضا مع الذين عملوا على دفع ثورة يوليو بعيدا عن النهج الديمقراطي. ويبدو أن حديثه من خلال قناة الجزيرة الفضائية عن ثورة يوليو والشيوعيين ليس سوى إعادة انتاج لتاريخه السابق. وفيما يلي الكلمة التي وجهتها إلى القارئ وقدمت بها الحوار مع خالد محي الدين. ويلي ذلك نص الحوار.

كلمة إلى القارئ

   أصبح تاريخ ثورة يوليو 1952 وموقفها من قضية الديمقراطية موضع اهتمام بل وانتقاد مستمر في الفترة الأخيرة. وكثيرا ما يتردد تعبير "فتح الملفات" بحثا عن سلبيات ثورة 23 يوليو. وقد ظهر في هذا المجال سيل من الكتابات والتحليلات والأقاويل المختلفة. ويلاحظ أن أشد الناس هجوما على ثورة يوليو وعلى جمال عبدالناصر شاركوا في دفع ثورة يوليو بعيدا عن  المسار الديمقراطي. وإذا كان هؤلاء يتجاهلون الآن هذه الحقيقة فإن التاريخ لا يغفل عن شئ. فبعض الذين يحاولون الآن الظهور وكأنهم ضحايا الدفاع عن الديمقراطية لا يمكنهم مثلا إخفاء دورهم ومواقفهم أثناء الصراع الذي كان يدور في السنوات الأولى للثورة والذي بلغ ذروته في مارس 1954.

   ومن يتتبع الكتابات التي تتناول الآن تاريخ ثورة يوليو يجد ظاهرة أخرى، لكنها خطيرة بدورها. فالبعض يدافع عن عبدالناصر وإيجابياته لكنه يحاول تصوير وقائع التاريخ على غير حقيقتها. ومن مخاطر مثل هذه المحاولة أن القارئ تعود أن يعتبر أصحابها من ذوي المصادر الموثوق بها حيث كانت قريبة من مركز صياغة الأحداث.

   وثمة ظاهرة ثالثة، وهى أن بعض الشخصيات التي ساهمت في صنع أحداث السنوات الأولى من الثورة وفي تحديد مسارها بدأت تشارك أيضا في تناول تاريخ الثورة بشكل انتقادي وربما هجومي. وقد لا يعلم القارئ ما هى المواقف التي وقفها هؤلاء أثناء الصراع حول قضية الديمقراطية في الأعوام الأولى من الثورة.

   ومن هنا تبرز أهمية تسجيل وقائع تلك الفترة الحاسمة بأحداثها وصراعاتها وما ساد فيها من اتجاهات. كما تبرز أهمية أن يشارك في هذا التسجيل أقطاب تلك الأحداث. وفي هذا المجال ربما كانت كلمات خالد محي الدين ذات أهمية بالغة. فقد كان يمثل اتجاها يساريا داخل مجلس قيادة ثورة يوليو مع يوسف صديق. واستمر يشارك في المجلس بعد استقالة صديق في يناير 1953 إلى أن خرج في آخر مارس 1954 من مجلس الثورة نتيجة تطورات أزمة مارس. فبدون معرفة هذا الجانب يصعب على من يدرس تاريخ مصر أن يصل إلى نتائج صائبة. وهذا الحديث مع خالد محي الدين يمثل محاولة لتسجيل وقائع وأحداث تلك الفترة الحاسمة في تاريخ مصر الحديثة.

                                                          أحمد القصير


                                             

  نص الحوار

استمر الحديث ست ساعات وبدأ بالسؤال التالي:


* نريد تسجيلا للوقائع الأساسية التي أدت إلى أزمة مارس 1954! وما هى ملامح الصراع الذي كان محور تلك الأزمة؟ وكيف تحددت نتائجها؟

بدأ خالد محي الدين يسرد تلك الأحداث قائلا:
   * لا شك في أهمية أحداث تلك الفترة في تاريخ مصر وتأثيراتها البالغة على التطورات اللاحقة. وقد بدأت في كتابة مذكراتي بالفعل. غير أني لم أسجل سوى الفترة السابقة على الثورة. أما الحديث عن أزمة مارس فيستلزم أن نتحدث أولا عن تطور موقف ثورة يوليو من قضية الديمقراطية. فقد مر هذا الموقف بثلاث مراحل تبدأ بقيام الثورة وتنتهي بانتهاء أزمة مارس 1954.
   تبدأ المرحلة الأولى بقيام الثورة حتى إلغاء الأحزاب في يناير 1953. وفي تلك الفترة كانت حركة يوليو لا يزال داخلها تياران متصارعان. الأول، يعتقد أن مصلحة ثورة يوليو هى مصلحة القوى الوطنية بأسرها. وبالتالي يكون الهدف الرئيسي هو المعركة ضد الاستعمار والامبريالية بالإضافة إلى مجموعة من الإصلاحات الاجتماعية الأولية بينها الإصلاح الزراعي، وأن ذلك يستدعي توحيد القوى السياسية الوطنية المعادية للاستعمار عموما. كما يفترض بدوره الإبقاء على الأحزاب واستمرار الشكل الدستوري إلى حد ما والنظام الديمقراطي.


   نظرية الحكومة القوية

   أما التيار الثاني الذي كان أيضا داخل قيادة الثورة فكان رأيه غير هذا.. فكان يرى أن المعركة ضد الاستعمار تستدعي إقامة حكومة قوية تقوم باصلاحات اجتماعية مثل الإصلاح الزراعي والتصنيع والضرائب التصاعدية، (وكل هذا يتم بالطبع في إطار النظام الرأسمالي)، وإقامة حكومة قوية يستدعي تقييد الديمقراطية، لأن الحكم القوي – أي الثورة – لم يكن قد أقام بعد التنظيم الذي يعتمد عليه. ولم تكن قد وجدت إنجازات ترتبط بها الجماهير لتدافع عن هذه الحكومة. وإزاء ذلك رأى أصحاب هذا الاتجاه أنه لا يوجد حل سوى تقييد الحريات السياسية. وهذا أمر – أقصد تقييد الحريات السياسية - إذا بدأ بخطوة لابد أن يستمر خطوات.


   موقف محمد نجيب

   استمر وجود التيارين داخل قيادة الثورة حتى حسم الأمر في يناير 1953 بخروج يوسف صديق من مجلس قيادة الثورة وانضمام عبدالناصر إلى التيار الثاني الذي كان يدعو إلى تقييد الحريات وإلغاء الأحزاب والذي كان يقف معه اللواء نجيب في ذلك الحين. وهذه حقيقة تاريخية لابد من توضيحها لأن موقف محمد نجيب في قضية الديمقراطية الذي اتخذه أثناء أزمة مارس والفترة السابقة عليها لم  يكن هو نفس موقفه بعد قيام الثورة مباشرة وعلى امتداد السنة الأولى للثورة تقريبا.


   موقف الإخوان المسلمين 

   وتبدأ المرحلة الثانية بإلغاء الأحزاب في يناير 1953 وخروج يوسف صديق وتنتهي في يناير أو فبراير 1954. وتتميز هذه المرحلة بإلغاء الأحزاب ومحاولة الإبقاء على الإخوان المسلمين. وقد وافق الإخوان المسلمون على إلغاء الأحزاب خاصة وأن شعارهم كان "لا أحزاب في الإسلام". وكان عبدالناصر قد أقنعهم بأن قانون تنظيم الأحزاب ليس ضد الإخوان مع أن عبدالناصر كان يبيت لهم ويعتبر أن الإخوان خطر يجب القضاء عليه. وهنا نرى خطأ الإخوان أو قصر نظرهم. فقد تخلوا عن الديمقراطية ظنا منهم أنه سيتاح لهم فرصة فرض سيطرتهم في غياب الأحزاب والقوى السياسية الأخرى. وعلاوة على ذلك فإن تقييد الديمقراطية يتفق مع منطق الإخوان المسلمين. ولكن غاب عنهم أنه في حالة سيادة منطق تقييد الديمقراطية السياسية فلابد أن يصل في النهاية إلى الجميع ويشملهم أيضا فيما بعد. وقد حدث هذا بالفعل.


   انفجار الصراع

   في هذه الفترة – أي المرحلة الثانية في تطور موقف ثورة يوليو من قضية الديمقراطية السياسية - اتخذت بعض الإجراءات الاصلاحية المهمة التي أحدثت نوعا من الانحياز الجماهيري مع الثورة. كما تم أيضا ضرب "الإخوان المسلمين" وعقدت اتفاقية السودان. ولكن بقيت المشكلة قائمة: فهناك قيود على الديمقراطية. وفي نفس الوقت كان واضحا أنه لم تحدث إجراءات لتغيرات جذرية. وهذا ما أحدث حالة من عدم الرضا. يضاف إلى ذلك بروز اتجاه بأن الثورة غير قادرة على حل المشكلة الوطنية. وفي ظل هذه الظروف تفجرت أزمة محمد نجيب في فبراير 1954.

   كان عبدالناصر مسيطرا على أغلبية أسلحة الجيش وعلى أجهزة الدولة والوزارات المهمة (الداخلية والإرشاد القومي والحربية) وعلى الصحافة خاصة عن طريق مصطفى أمين وجلال الحمامصي ومحمد حسنين هيكل. وإزاء ذلك لم يكن أمام نجيب سوى الالتجاء للجماهير العادية. ومن هنا تفجر الصراع باستقالة محمد نجيب في فبراير 1954. وساعد على ذلك التفجير أن المشاكل الوطنية والاجتماعية لم تحل.


   قرارات 25 مارس

   ثم تفاقمت الأزمة بتأثير عاملين:

   الأول: أن قرار عزل نجيب لم يجد استجابة شعبية، بل تعاطفت الجماهير مع نجيب.

   الثاني: حدوث انقسام في الجيش ووقوف سلاح الفرسان وحامية الاسكندرية مع نجيب. بل إن سلاح الفرسان كان له القرار الفعال في التطورات اللاحقة وفي صدور قرارات 5 مارس الديمقراطية.

   فعزل نجيب حدث يوم الأربعاء واجتمع سلاح الفرسان يوم الخميس. وحضر الاجتماع حسين الشافعي عضو مجلس الثورة. وعرض لضباط السلاح رأي المجلس. ولكن الضباط لم يقتنعوا فحضر لهم جمال عبدالناصر يوم الجمعة حيث كان الاجتماع مستمرا ولم ينفض فطالبه الضباط بالآتي:

   1 – عودة محمد نجيب؛

   2 – إعلان الدستور في أسرع وقت.

   وهنا قال لهم عبدالناصر إن نجيب يريد تركيز السلطة في يده. فقال له ضباط الفرسان إذا كان نجيب يريد الاستحواذ على السلطة يعود رئيسا للجمهورية وحسب، على أن تكون جمهورية برلمانية، وأن يطلب من على ماهر رئيس لجنة الدستور الإسراع في إنهاء مسودة الدستور. ثم أكد الضباط على ضرورة عودة نجيب رئيسا لجمهورية برلمانية حفاظا على الوحدة الوطنية في الداخل ووحدة مصر والسودان.

   وكان لهذه المطالب تأثيرها على عبدالناصر. فهو يعلم أن سلاح الفرسان هو القوة الضاربة في الجيش. ولهذا فكر عبدالناصر كثيرا في الكلمات التي قالها ضباط سلاح الفرسان في نهاية ذلك الاجتماع. فقد قالوا:

   "إن الشعب يريد نجيب ويريد دستورا وحريات، وإذا خرج الشعب يطالب ذلك فلن نضربه".

   هنا أخذ عبدالناصر يحسب الأمور ويقدر الموقف. وكانت الصورة أمامه كما يلي:

    1– نجيب معه الشعب؛

    2– عبدالناصر ومعه مجلس الثورة يسيطر على الجيش. ولكن حدث شرخ في هذا الجيش نتيجة موقف سلاح الفرسان. وأدى هذا الوضع بعبدالناصر إلى أن يناور ويطاطي للعاصفة.

   كان اجتماع عبدالناصر مع ضباط سلاح الفرسان قد استمر حتى منتصف الليل ثم طلب عبدالناصر العودة إلى مجلس القيادة لعرض الرأي عليه. وكنت قد وصلت إلى مبنى مجلس القيادة في ذلك الحين بناء على استدعاء من المجلس، فلم أكن موجودا في اجتماع سلاح الفرسان.

   وبعد أن عاد عبدالناصر إلى المجلس دارت في الجلسة مناقشة حسمها عبدالناصر بعدة اقتراحات للخروج من الأزمة، أهمها تكليفي بتشكيل الوزارة. وذهبت مع عبدالناصر إلى ضباط سلاح الفرسان الذين كانوا مستمرين في اجتماعهم، وأبلغهم عبدالناصر بأن المجلس وافق على أن الحل هو أن يؤلف خالد محي الدين الوزارة ويعيد محمد نجيب على أن يستقيل مجلس قيادة الثورة لأن المجلس لا يمكنه أن يتعاون مع محمد نجيب. وكانت قرارات المجلس كالآتي:

   1 – حل مجلس قيادة الثورة؛

   2 – عودة محمد نجيب؛

   3 – يشكل خالد محي الدين حكومة لمدة ستة شهور؛

   4 – تجري الحكومة الانتقالية انتخابات لجمعية تأسيسية لتضع دستورا

   دائما؛

   5- يعود أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى وحداتهم.


   التراجع والحصار

   وقد عارض ضباط الفرسان هذه القرارات على أساس أنها إيحاء لباقي أسلحة الجيش بأن سلاح الفرسان فرض رأيه، وخاصة القرار بحل مجلس الثورة؛ فإن ضباط الفرسان لم يطالبوا بحل مجلس الثورة ولا تكليف ضابط فرسان بتشكيل الوزارة حتى لا يساء فهم الموقف داخل الجيش.

   وأذكر أنه بعد موافقة المجلس على تلك القرارات كان هناك رجاء من المجلس بأن انتهي من إعلان الوزارة قبل الصباح حتى لا تنفجر في البلاد حرب أهلية.

   لكن هذه القرارات لم تر النور. فقد ذهبت في الصباح الباكر لإبلاغ محمد نجيب بهذه القرارات، ولكن بعد أن عدت إلى القيادة وجدت الموقف متغيرا، ووضعت في حالة تشبه الاعتقال.

   فعبدالناصر لم يكن متأكدا من مدى تأييد القوات المسلحة له حينما وافق على أن أتولى تشكيل الوزارة وأن يعود محمد نجيب رئيسا للجمهورية. ولكن حدث أن ضباط الصف الثاني من الضباط الأحرار رفضوا هذه القرارات فحركوا الوحدات وحاصروا مجلس القيادة وسلاح الفرسان. وحلقت الطائرات في الصباح فوق سلاح الفرسان معلنة رفض قرارات مجلس الثورة بتكليف خالد محي الدين بتشكيل الوزارة وإعادة محمد نجيب. كما أن نفس هؤلاء منعوا تسليم بيان مجلس الثورة الذي يحتوي على القرارات إلى مندوب الإذاعة وبذلك منعوا إذاعتها.

   في ظل هذه الأوضاع تغيرت الحالة النفسية لأعضاء مجلس الثورة وألغوا القرارات التي لم يكن مضى على صدورها أكثر من ست ساعات. لكن المشكلة لم تحل رغم ذلك.

فسلاح الفرسان محاصر، وفي نفس الوقت لم يتراجع عن موقفه.
   -   والمظاهرات بدأت بعد ذلك في الشارع.

   ومن هنا بدأ المجلس يبحث المشكلة. وطرحت عدة تسأولات:

   -  هل يبقى خالد محي الدين في المجلس أم يعتقل؟

   -  ما هو الموقف من محمد نجيب؟


   سلاح الفرسان وقرارات 5 مارس

   سبقت تلك التطورات أحداث ارتبطت باستقالة محمد نجيب. وكان الموقف آنذاك محملا بكثير من الاحتمالات والافتراضات التي يترتب عليها سياسات مختلفة، ولكن حسم الموقف قيام مظاهرات في ميدان عابدين من حوالي نصـف مليون شخص في 26 فبراير 1954. كما جاء وفد من حامية الاسكندرية يؤيد عودة نجيب رئيسا للجمهورية.

   وهنا تفجرت في مصر موجة حماس وتأييد لمحمد نجيب لم تشهدها مصر منذ أيام سعد زغلول. وبدأت مع هذه الموجة المرحلة الثالثة من مراحل موقف ثورة يوليو من الديمقراطية. ولم تستمر هذه المرحلة سوى شهر واحد من آواخر فبراير 1954 حتى آخر مارس 1954.

   وفي ظل تلك الموجة الجماهيرية وإصرار سلاح الفرسان صدرت قرارات 5 مارس التي كانت تنص على:

   1 – اتخاذ إجراءات فورية لانتخاب جمعية تأسيسية على أن تنعقد في يوليو 1954 لتضع مشروع الدستور. وكان التقدير أن وضـع  الدستور يستغرق سنتين؛

   2 – إلغاء الرقابة على الصحف؛

   3 – إلغاء الأحكام العرفية قبل إجراء انتخابات الجمعية التأسيسية؛

   4 – تتم الانتخابات للجمعية التأسيسية بدون أحزاب.

   وفجرت هذه العملية صراعات عديدة بلغت ذروتها في 25 مارس 1954. وهنا ظهرت في مصر ثلاثة تيارات سياسية واضحة.

   الأول: وهو التيار القديم الذي أعاد رأسه للظهور خاصة أن الثورة لم تقض عليه سياسيا أو اجتماعيا. فالملكية في قانون الإصلاح الأول كانت تصل إلى 300 فدان. كما سمح لملاك الأراضي أن يبيعوا أراضيهم التي تزيد عن هذه المساحة، أي عن 300 فدان. وكان هذا التيار يأمل في أن ينقض تحت ستار الديمقراطية على الإصلاحات الهامة للثورة التي تمت حتى ذلك الحين.

   والثاني: وهو التيار الأغلب من الشعب المصري الذي كان يضـع  أمالا في ثورة 23يوليو وكفر بفكرة الأحزاب. وكان يأمل في عدد من الإصلاحات بدأت بها الثورة، ويأمل في أن هذا الاتجاه سيكون في صالح الفئات الشعبية.

   والتيار الثالث: وكان له من يمثله في الميدان السياسي وفي داخل الجيش. فهو كان له من يعبر عنه في مجلس قيادة الثورة إلى جانب تيار عام بين ضباط سلاح الفرسان وعدد من ضباط الأسلحة الأخـرى. وكان يمثله بين الشعب تيار وطني ديمقراطي واسع من شباب وفدي وشيوعي واشتراكي وجماهير عمالية بل وبعض قواعد الإخوان المسلمين.


   ديمقراطية جديدة

   كان هذا التيار يرى أن تظل مكتسبات الثورة ولا ينبغي الرجوع عنها مع إقامة ديمقراطية جديدة، أي ديمقراطية تنهض على أسس جديدة. فالإصلاح الزراعي كان يجري تنفيذه. كما كانت قد اتخذت بالفعل بعض الإجـراءات ضد السياسيين القدامى (محكمة الثورة ومحكمة الغدر). فلتبق قيودهـا عليهم، وليستمر التفكير في المشروعات الجدديدة التي كانت موضع بحث. فلماذا لا نبدأ من ذلك وتحكم ثورة يوليو بأسلوب ديمقراطي بأن تقيم حزبا ممثلا ببرنامج وطني أكثر تقدما من البرامج الحزبية السابقة، خاصة أن الأحزاب القديمة كان دورها قد انتهى تاريخيا تقريبا، وإن كان هذا لا ينفي أن بينها بعض القوى التي تستطيع أن تلعب دورا وطنيا.

   غير أن هذا التيار الثالث كان لا يزال ناشئا. فقيادة يوليو ترفضه. والتيار القديم يرفضه أيضا. وقد يرى البعض أنه قد يلتقي مع التيارالقديم حول مطلب الديمقراطية، لكنه يريد ديمقراطية من نوع آخر. ولا ينبغي أن نتجاهل أن كل ما كان يجري من إصلاحات كان يتم في إطار النظام البورجوازي وحكومة وطنية. وهذا لا يلغي حق العمال والفلاحين والقوى السياسية الوطنية الأخرى في إقامة أحزابها. وكنت أرى مع هذا التيار الوطني الديمقراطي أنه في ذلك الوقت الذي كانت تفتح فيه الحكومة المصرية الباب أمام الاستثمارات الأجنبية والنقطة الرابعة، والاعتماد على الولايات المتحدة، كنت أرى أنه في ظل مثل هذه الأوضاع لابد من ديمقراطية جديدة تقيد حركة الحكومة من الانحراف ومن الاتجاه نحو الغرب. ولم يكن في هذا الرأي أي انتقاص من المكتسبات، بل كان في جوهره ضد القديم المعادي لحركة يوليو. والتصريحات التي أدليت بها في ذلك الحين ونشرت سواء في الخارج أو في جريدة "المصري" أو مجلة "روز اليوسف" تؤكد ذلك. أي تؤكد الرغبة في استمرار الثورة ولكن بأسلوب ديمقراطي. غير أن خطأنا يتمثل في أننا لم نوضح جيدا الفارق بيننا وبين القديم. ففهم البعض ضمنا أننا مع عودة القديم وطرد الجديد. ومن هنا استطاع عبدالناصر أن يجمع حوله جماهير لا تؤمن بالأحزاب وعددا ضخما من العسكريين مستغلا هجوم الصحافة على العسكريين. ولهذا استطاع عبدالناصر أن يتخطى أزمة مارس وقرارات 25 مارس بعد أن دفع إلى صدورها بالشكل الذي صدرت عليه. فعند صدور قرارات 25 مارس كان تكتيك عبدالناصر كما يلي: أن يضع مجلس الثورة أمام خيارين. فإما الديمقراطية الكاملة بلا حدود مع حل مجلس الثورة، وإما إلغاء قرارات 5 مارس والعودة للنهج السابق لمجلس الثورة. وهنا اعترضت. وأعلنت أن هناك طريقا آخر. وهو يمثل ديمقراطية جديدة. ويعني هذا الطريق أن نبقي على قرارات 5 مارس الديمقراطية وألا نسمح بدخول الانتخابات للقوى التي اتخذت قبل الثورة مواقف في البرلمان ضد حريات الشعب وتهادنت مع الاستعمار، وكذلك الذين طبق عليهم قانون الإصلاح الزراعي، والذين صدرت ضدهم أحكام محكمة الثورة والغدر، والذين رفضوا رفع ضريبة الأطيان، لكن مجلس الثورة رفض اقتراحاتي بحجة أنه إما يكون لنا الحق كاملا في تقرير كل شئ أو لا يكون.


   الاستقالة من مجلس الثورة

   بهذا ظهرت نوايا مجلس الثورة في أنه لا يريد الاستمرار في قرارات 5 مارس الديمقراطية وأنه أصدر قرارات 25 مارس ليستغلها فيما بعد في إثارة العمال وضباط الجيش.

   وزاد من فرصة المجلس وعبدالناصر في إلغاء قرارات 5 مارس و25 مارس أن البورجوازية الكبيرة والمتوسطة لم تكن معارضة للديكتاتورية السياسية. واتحاد الصناعات ممثلا في رئيسه عبدالرحمن حمادة كان يقول: "لو لم تحدث هذه الثورة كانت الراية الحمراء سترتفع". والطبقة الوسطى لم تكن تعارض أيضا قيام ديكتاتورية سياسية. والبورجوازي العادي في مصر من الطبقة الوسطى كان معاديا للأحزاب ما عدا العناصر البورجوازية المتنورة في قيادات الأحزاب السياسية وفي النقابات المهنية. كما أن الرأسمالية الزراعية التي لم يمسها الإصلاح الزراعي كانت تشعـر بالارتياح.

   ولم تندفع الراسمالية المصرية للدفاع عن الديمقراطية إلا بعد قرارات التأميم عام 1961. يضاف إلى ذلك أن جماهير العمال كانت متخوفة من الوجوه السياسية القديمة ومن إلغاء مكتسباتها مع أنها كانت مكتسبات بسيطة. وهذه الجماهير العمالية لم تكن تعلم أن التيـار المؤيد للديمقراطية في مجلس الثورة هو المسئول مثلا عن صدور قانون منع الفصل التعسفي، بل أني شخصيا اعتبر المسؤول تاريخيـا عن صدور هذا القانون. فقد أجاز مجلس الثورة القانـون وكان يبيح الفصل التعسفي رغم معارضتي الشديدة. وهنا قدمت استقالتي (في مارس 1953) فاضطر المجلس أن يتراجع ويعيد مناقشة القانون ويوافق معي على منع الفصل التعسفي.


   انفراد عبدالناصر بالسلطة

   بانتهاء أزمة مارس 1954 وإلغاء قرارات 5 مارس و 25 مارس انفرد عبدالناصر بالسلطة، وولد في ذلك اليوم الحكم الفردي لعبدالناصر. وكل المشاكل والسلبيات التي عانينا منها حتى هذا اليوم جاءت بسبب النتائج التي انتهى إليها ذلك الصراع الذي حسم نهائيا في مارس 1954. وهذا لا ينفي أن سلطة عبدالناصر المطلقة مكنته أيضا من إجراء تغييرات اجتماعية ثورية هامة فيما بعد غيرت وجه مصر ومكنت عبدالناصر من تصفية عناصر الاقطاع ورأس المال الكبير. إلا أن سلطته المطلقة أعاقت المشاركة الجماهيرية الفعالة في الحكم لضمان مكتسبات الثورة.

   ومن ناحية أخري يحمل هذا الانفراد بالسلطة وجها آخر تميز به حكم عبدالناصر. فالانفراد بالحكم واعتماده على جماهير غير منظمة فرضا عليه اتخاذ خطوات إصلاحية تدريجية لصالح العمال وجماهير الشعب. وعلى سبيل المثال نجد أن عبدالناصر بدأ بالتعاون ثم الاشتراكية التعاونية ثم التأميم فالاشتراكية العلمية. ومن هنا نقول إنه مع انتهاء أزمة مارس سنة 1954 بدأ حكم عبدالناصر ونظام عبدالناصر بمزاياه وعيوبه. وإذا نظرنا مثلا إلى دستور 1957 نجد فيه سمات ذلك الحكم. فهذا الدستور يحمل جوانب فلسفة عبدالناصر. فقد نص على حقوق اجتماعية واقتصادية جديدة. وفي نفس الوقت به تقييد للديمقراطية السياسية.     


* سؤال

* ما هى أسباب انتقال عبدالناصر من التيار المؤيد للديمقراطية إلى الجانب الذي يناصر تقييدها؟


     أجاب خالد محي الدين قائلا:

     * يوجد أكثر من سبب لذلك الانتقال. كان عبدالناصر يرى ومعه الاتجاه الغالب في مجلس الثورة الاعتماد على الولايات المتحدة في الضغط على بريطانيا للجلاء عن مصر وفي مسألة الاستثمارات. وكانت الولايات المتحدة تقف بصراحة ضد عودة الأحزاب في مصر وضد الديمقراطية.. وكان السفير الأمريكي في مصر يقول هذا صراحة، بل كان يعترض على وجود شخصيات من الحزب الوطني في الوزارة مثل فتحي رضوان ونور الدين طراف. وكان منطق الأمريكان أن أي حكم برلماني لابد أن يخضع للضغط الشعبي مثلما حدث بالنسبة لحكومة الوفد التي أدى الضغط الشعبي إلى أن تلغي معاهدة عام 1936.
 والسبب الثاني الذي جعل عبدالناصر يغير موقفه ويقف مع تقييد الديمقراطية هو أنه رأى الاتجاه السائد في مجلس الثورة مع تقييد الديمقراطية. وبحساب موازين القوى كان أمام عبدالناصر إما أن يقف مع تقييد الديمقراطية ويتزعم الحكم أو أن يتخلى عن المشاركة في الحكم.
 وهناك واقعة لها دلالتها. فأول خلاف في المجلس حول قضية الديمقراطية كان بشأن مجلس الوصاية بعد طرد الملك فاروق. وقد عرض الرأي على مجلس الدولة لتقديم المشورة الدستورية. وظهر الخلاف حول الجهة التي لها حق إقرار تشكيل مجلس الوصاية، هل البرلمان أم مجلس الوزراء؟ ووقف ثمانية مستشارين بمجلس الدولة في جانب بينما وقف وحيد رافت في الجانب الآخر بمفرده. قال الثمانية إن حالة التنازل عن العرش حالة جديدة لم تذكر في الدستور، ولهذا يمكن لمجلس الوزراء أن يقرر تشكيل مجلس الوصاية. لكن وحيد رأفت قال إن الدستور المصري دستور ملكي ولا يمكن أن يتكلم عن التنازل عن العرش. ولهذا يمكن أن نطبق ما جاء في الدستور بشأن حالة الوفاة أو المرض على حالة التنازل. وهذا يقتضي أن يجتمع البرلمان المصري لإقرار مجلس الوصاية ثم ينفض ثم تجرى انتخابات في خلال شهرين.
وقد وافق مجلس الثورة على رأي أغلبية أعضاء مجلس الدولة لأن دعوة البرلمان الوفدي لإقرار مجلس الوصاية كان يعني الدخول في ميكانيزم الانتخابات. لكن عبدالناصر لم يوافق على هذا الاتجاه حيث كان في ذلك الحين ملتزما ببرنامج الضباط الأحرار فقرر الاستقالة ثم تراجـع عـن ذلك.
وكنت في ذلك الحين في الاسكندرية ولم أحضر تلك الجلسة لمجلس الثورة. وعندما عدت سألت عبدالناصر عن سبب تراجعه فقال: إن الموقف في المدفعية ليس في صالحنا.. فالاتجـاه في سلاح المدفعية ليس معنا، ولذلك قررت أن أنحني للعاصفة خاصة أن رشاد مهنا بدأ يلعب في المدفعية، وليس معقولا أن أنعزل عن القوات المسلحة. كان ذلك المنطق وتلك الظروف هى التي جعلت عبدالناصر ينتقل من الجانب الذي يريد أن تحكم الثورة بأسلوب ديمقراطي إلى الجانب الذي يدعو إلى تقييد الديمقراطية السياسية.


* سؤال

* ما هى أسباب اختلاف موقف سلاح الفرسان وتميزه بالدفاع عن الديمقراطية دون بقية أسلحة الجيش؟


 
الإجابة

تراث وطني ديمقراطي

* هناك أكثر من سبب:

أولا: نجد أن نوعية أسلحة هذا السلاح، وهى المدرعات، وما يرتبط بها من تكنولوجيا يعطي للضباط نوعا من اتساع أفق التفكير وإن كنا نلاحظ أن المدفعية هى الأخرى ترتبط بالتكنولوجيا. ولهذا فإن هذا السبب وحده ليس كافيا.

ثانيا: كان وجودي في هذا السلاح وباعتباري أحد قادته (سياسيا)، وما ارتبط به من تيار وطني ديمقراطي، ساعد في خلق اتجاه عام ديمقراطي في سلاح الفرسان.

ثالثا: بعد الثورة بدأ ضباط الجيش يتولون مناصب عسكرية ومدنية، ولكن ضباط سلاح الفرسان لم يوزعوا على مناصب هامة مدنية كانت أم عسكرية. فمجلس الثورة استبعد سلاح الفرسان من توزيع المناصب خوفا من تزايد نفوذ خالد محي الدين. وأدى هذا إلى خلق اعتقاد بين ضباط هذا السلاح بأن مجلس الثورة يتخذ موقفا منهم وبأن المجلس يضطهدهم. ومن هنا كان سلاح الفرسان ناقدا وليس مشاركا. وكل هذه العوامل، خاصة التراث الوطني الديمقراطي الذي كان يسود بين ضباط السلاح جعل موقفهم متميزا عن مواقف ضباط الأسلحة الأخرى.

* سؤال

* عند تصاعد الصراع في الأيام التالية لصدور قرارات 25 مارس1954 ومحاولة مجلس الثورة التراجع عن هذه القرارات يلاحظ أنك سافرت مع الرئيس محمد نجيب والملك سعود إلى الاسكندرية في آواخر مارس مع أن عبدالناصر ومعظم مجلس الثورة لم يرافقوا محمد نجيب والملك سعود في هذه الرحلة. والأمر الذي يحتاج إلى تفسير بشكل خاص هو أنك لم تعد مع محمد نجيب من الاسكندرية بل اختفيت هناك عدة أيام ثم عدت إلى القاهرة لتقدم استقالتك. فما السر وراء ذلك الاختفاء؟ وكيف اتخذت قرار الاستقالة من مجلس قيادة الثورة؟  
 


الإجابة

الموقف من مصطفى النحاس


* عندما سافرت مع محمد نجيب والملك سعود إلى الاسكندرية فوجئت بوجود مظاهرات في جميع المحطات تهاجم الأحزاب. لم تكن مظاهرات كبيرة، لكنها كانت علامة. يضاف إلى ذلك أن جريدة أخبار اليوم نشرت تسجيلا لحديث تليفوني أجراه محمد نجيب مع مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد يستفسر فيه عن صحته ويطمئن على تنفيذ الإفراج عن النحاس حيث كان النحاس معتقلا في منزله وتقرر الإفراج عنه.

 وحينما اجتمع نجيب مع ضباط حامية الاسكندرية فوجئت بهجوم الضباط على اللواء نجيب بسبب الحديث الذي أجراه مع مصطفى النحاس والذي نشرته صحيفة "الأخبار" عمدا لتحريض الضباط ضد محمد نجيب. وأخذ ضباط الاسكندرية بسألون محمد نجيب عن سر علاقته بالنحاس. كما ظهرت أثناء الاجتماع أيضا ردود الفعل لحملة جريدة "المصري" ضد الجيش ومطالبتها بعودته إلى الثكنات. فقد أحدثت الحملة ردود فعل عكسية. وكانت حملة ضد الجيش عامة ولم تفرق مثلا بين هؤلاء الضباط الذين كانوا ينادون بعودة الحياة النيابية وبين غيرهم من الضباط. وخلق هذا الوضع اتجاها بين ضباط حامية الاسكندرية بأن هناك خطرا سينتج عن عودة الحياة النيابية بشكل سريع. ومن العوامل التي أثرت في نفس الاتجاه بيان نقابة المحامين الذي دعا إلى عودة الجيش إلى ثكناته. فأثناء المناقشة بين ضباط الاسكندرية ومحمد نجيب أظهر هؤلاء الضباط قلقهم من العناصر السياسية القديمة. وأدى بي هذا الوضع إلى أن أدرك مدى تأثير الحملة التي نزل بها عبدالناصر لإظهار أن عودة الحياة المدنية والنيابية ستكون ذات خطر كبير على الضباط. كان من نتيجة كل ذلك علاوة على الظروف العامة والأسلوب الذي صدرت به قرارات 25 مارس أن تغير اتجاه تفكير ضباط حامية الاسكندرية.

     وإزاء ذلك الوضع الذي شاهدته في الاسكندرية اتصلت بسلاح الفرسان من هناك فعلمت أن هناك اجتماعا في سلاح الفرسان يضم ضباط جميع أسلحة الجيش وأن الجميع سيلتزم برأي الأغلبية. وكان معنى ذلك بالطبع أن سلاح الفرسان سيلتزم برأي ضباط بقية الأسلحة. وأدركت أن الهدف من الاجتماع هو محاصرة ضباط سلاح الفرسان وإظهار أن الجيش اتخذ قرارا بالتراجع عن قرارات 5 مارس و 25 مارس. وبدأت تتكون في ذهني صور للترتيبات الكبيرة التي تجري لعملية التراجع عن القرارات.

     وفي المساء سمعت البيان الذي أصدره اتحاد عمال النقل المشترك الذي نادى بالإضراب عن الطعام لإلغاء قرارات 25 مارس والوقوف ضد عودة الأحزاب. وهو البيان الذي انطلقت منه شرارة الإضراب والاعتصام تأييدا لمجلس الثورة. وتأكد لي وجود مخطط، وأن بقية أعضاء مجلس الثورة استطاعوا أن يأخذوا الكرة بأيديهم. فالقوى التي تقف مع الديمقراطية محاصرة، وجهاز السلطة قادر على أن يحرك الجماهير في اتجاه معاد للديمقراطية. وتوقعت أن مجلس الثورة سيجتمع لإلغاء القرارات وأني مطالب أن أحضر الاجتماع لتوقيع القرار. فقررت عدم الرجوع من الاسكندرية وعدم حضور اجتماع يلغي القرارات السابقة. ورأيت أن اختفي عن الأنظار لحين إيجاد سبيل للعمل.

     واختفيت ثلاثة أيام حتى سمعت في الإذاعة الإعلان عن قرار مجلس الثورة بإلغاء قرارات 5 مارس و25 مارس، وعرفت تفاصيل المظاهرات المضادة لمحمد نجيب عند دخوله وخروجه من مجلس الوزراء. وأدركت أن تقديري كان صحيحا. وهنا ركبت الاتوبيس وعدت إلى القاهرة. وأجريت تقديرا للموقف ورأيت أن وجودي في مجلس الثورة، بعد هذه التطورات التي حدثت، أًصبح غير ذي موضوع.. فمجلس الثورة انتصر لوجهة نظره. ووجهة نظري متعارضة معه تماما. فأرسلت خطابا إلى جمال عبدالناصر أوضحت فيه أولا أن وجودنا معا بعد التطورات التي حدثت أصبح صعبا لوجود شقوق واختلافات عميقة، ولهذا أرى التنحي من مجلس الثورة. وبعد ذلك طلبت مقابلته فأفهمني في أول المقابلة أن استقالتي قبلت قائلا: فلنتكلم فيما بعد الخطاب. ثم قال: مش قادر أعرف ما الذي سأتخذه بالنسبة لك، ولكن أخشى أن تعيش في مصر وتتجمع حولك عناصر كثيرة لأنك ستكون زي العسل الذي يحوم حواليه الذباب.. وعلاقتي بك .. وأخشى أن اتخذ إجراء ضدك. ثم قال إنه يرى أن أسافر إلى الخارج حتى لا ينشأ عن وجودي بمصر تجمع حول وجهة نظري السياسية لأنه في هذه الحالة سيضطر إلى اتخاذ إجراء ضدي.


* سؤال:

* من الواضح أن علاقتك بعبدالناصر كانت تتميز بطابع خاص. فقد اختلفت معه اختلافات عميقة، بل وصل هذا الاختلاف إلى حافة القتال بين أسلحة الجيش والحرب الأهلية، ورغم هذه الحدة من الاختلافات فإن عبدالناصرلم يتخذ إجراء عنيفا ضدك، ولم يعتقلك مثلا؟



الإجابة

     * هذه مسألة تحتاج فعلا إلى تفسير. كان موقفي واضحا من أول دقيقة. ويتمثل في أني أفضل ترك العمل في مجلس الثورة. كما كان عبدالناصر يعرف أني لا أتسرع في اتخاذ المواقف ولا اتخذ موقفا دون دراسة مراعيا المصالح الوطنية العامة. وكانت آرائي واضحة. كما كان عبدالناصر يعرف أين ومتى نتفق ونختلف. وكان يتمسك ببقائي في المجلس في ذلك الحين بسبب صراعات القوى داخل المجلس. وبالرغم من اختلافي معه كان يرى أني أقرب إليه من بعض الأشحاص الآخرين في المجلس.

وهو كان يعرف إمكانية الالتقاء بيننا في المدى الطويل بالرغم من اختلافنا حول بعض القضايا. فمثلا كان يدرك موقفي المعادي من أمريكا، وهو في ذلك الحين كان يضع بعض الأمال عليها، ولكن موقفه هذا كان موقفا سياسيا، أي نابعا من محصلة ظروف وقتية. وكان يدرك أن هذا الموقف سيتغير مستقبلا.

ولهذا أقول إنه بالرغم من محاولة الاعتماد على أمريكا في تحقيق بعض الإنجازات فإن وطنيته كانت تجعله يدرك أنه سيصطدم بأمريكا. وهو كان في ذلك يختلف عن الذين كانوا يريدون الارتماء في أحضان أمريكا. وكانت لتقديرات عبدالناصر السياسية هذه أثر على موقفه تجاهي. وكان من السهل على عبدالناصر عامة أن يحدد نقاط الخلاف والاتفاق بينه وبين الآخرين. وحرصنا نحن الاثنين على بقاء الخط الشخصي والسياسي موصولا برغم الخلافات السياسية. وكان عبدالناصر يدرك أنه يحتاج عند الصدام مع الأمريكان إلى التعاون مع الفكر السياسي الذي أعبر عنه.

وثانيا: كان دوري قبل الثورة كبيرا في تأسيس تنظيم الضباط الأحرار. وكنت أمثل قوة في سلاح الفرسان. ولذلك روعي عند اتخاذ إجراء ضدي احتمالات تأثير ذلك الإجراء على سلاح الفرسان.

وسرعان ما أنهت الأحداث والتطورات ابتعادي عن المجال السياسي، وإن كانت عودتي إلى العمل السياسي جاءت مختلفة. فلم أعد إلى القيادة. ولكن بعد عام 1955 وعام 1956 كانت آرائي السياسية لها من يمثلها في الرأي العام. وعدت إلى العمل بالصحافة، وأصدرت جريدة المساء في 6 أكتوبر1956. ورشحت نفسي لمجلس الأمة. وعملت في المجال الجماهيري والسياسي (أمانة الصحافة وحركة السلام ... ألخ).


  محاكمة ضباط الفرسان

 أذكر أنه بعد سفري إلى خارج مصر رأى عدد من الضباط أن سلاح الفرسان قد هزم وأن السواري، أي الفرسان، عليه دور تاريخي بعد الذي شاهدوه في أحداث مارس. ففكروا في عمل شئ. كان مجرد تفكير. وسرعان ما اعتقلوا وحوكموا، ولم يكن قد حدث تحرك من جانب هؤلاء الضباط. ولكن كانت هناك نية مبيتة لتصفية ضباط الفرسان.


* سؤال

* تعددت الروايات حول دور محمد نجيب في ثورة يوليو وعلاقته  بالضباط الأحرار. وبحكم موقعك في قيادة ثورة يوليو نريد أن تحدثنا عن وضع محمد نجيب وهل كان في تنظيم "الضباط الأحرار" أم لا؟



الإجابة

* لابد من التمييز بين أمرين. فأولا هناك تنظيم "الضباط الأحرار"، وثانيا "حركة 23 يوليو". وتنظيم الضباط الأحرار هو العمود الفقري لحركة 23 يوليو. لكن لابد أن نعرف أن عددا من الضباط اشترك في حركة يوليو ولم يكن منضما لتنظيم "الضباط الأحرار".


دور نجيب في الضباط الأحرار

بالنسبة لمحمد نجيب فإن دوره في تنظيم الضباط الأحرار كان ضئيلا جدا. والسبب أنه كان برتبة لواء. وكنا قد اتخذنا قرارا بألا ينضم إلى التنظيم من هو في رتبة أكبر من البكباشي. ولكن محمد نجيب كان شخصية معروفة بعدائها للملك، ونتيجة لأن رتبته كبيرة قررنا أن يظل بعيدا عن تنظيم "الضباط الأحرار". واكتفينا بصلة به عن طريق عبدالحكيم عامر. وكان بالطبع يعلم طبيعة هذه الصلة، لكنه لا يعرف الكثير من التفاصيل الخاصة بالتنظيم. كما كان يتسلم نشرات التنظيم ويتجمع حوله عدد من الضباط بشكل عام. وفي معركة انتخابات نادي الضباط قررنا ترشيح محمد نجيب ممثلا عن الضباط الأحرار خاصة أنه يتمتع بشعبية في القوات المسلحة. وقد نجحنا كما هو معروف في تلك المعركة.

  
  دور نجيب في حركة 23 يوليو

 أما عن دور مجمد نجيب في حركة 23 يوليو فأذكر أنه قبل قيام الثورة بوقت كاف تم إعلامه بأن هناك حركة. وعرض عليه دوره فيها ووافق على أن يتحمل المسؤلية. وقد طلب الاشتراك في وضع خطة الحركة فقيل له إنه لا داعي إلى ذلك. ولكن شرح له تقريبا مضمون الخطة ودوره الذي قضي بأن يحضر بعد الخامسة صباحا لتولي المسؤولية.     

وهناك مسألة هامة. فحينما كنا نمر في وحدات الجيش لتجهيزها والخروج ليلة 23 يوليو كنا نقول للضباط الأحرار أو العناصر التي نضمها في حالة الاستعداد أن قائد الحركة هو اللواء محمد نجيب وذلك تشجيعا لهم بأن على رأس الحركة ضابطا برتبة لواء محبوبا من الجميع.


* سؤال

*ما هى القوى السياسية التي كان تنظيم الضباط الأحرار يقيم صلات معها؟ومن بين هذه القوى كان له التأثير في اتجاهات التنظيم؟



الإجابة

 * كانت صلات تنظيم الضباط الأحرار تقوم مع قوتين هما الشيوعيون ممثلون في تنظيم "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني"، أي "حدتو". والقوى الثانية هى "الإخوان المسلمون". وكان عبدالناصر يتولى الصلة مع الإخوان عن طريق صلاح شادي وحسن عشماوي وعبدالرحمن السندي. كما كانت علاقات عبدالناصر مع "حدتو" تتم عن طريق أحمد فؤاد رئيس بنك مصر حاليا وخالد محي الدين.. وبعد حريق القاهرة وإقالة وزارة النحاس حدث اتصال بالوفد عن طريق ابن شقيق مصطفى النحاس وأخبرناه أن ضباط الجيش على استعداد لأن يقفوا معه. لكن النحاس لم يرحب بالفكرة. وقال إنه لا يريد التعامل مع الضباط لأن ذلك يضعف من علاقتنا مع أمريكا. فالوفد كان يأمل أن تتدخل أمريكا وتعيده إلى الحكم. وكان يخشى أن تؤدي إقامة علاقة مع الضباط إلى إضعاف هذا الاحتمال.

 

التأثير للشيوعيين

 أما عن تأثير العلاقات مع القوى المختلفة في برنامج الضباط الأحرار فإن "حدتو"، أي الشيوعيين، هم الذين كان لهم التأثير الفكري الأكبر على حركة "الضباط الأحرار" وعلى برنامجهم الذي وضع في أوائل عام 1951 قبل إلغاء معاهدة 1936. وأذكر أن خالد محي الدين وأحمد فؤاد هما اللذان وضعا ذلك البرنامج ثم أقره التنظيم بعد ذلك. وكان من بنود ذلك البرنامج:

 1 – إقامة جبهة وطنية من القوى والأحـزاب الوطنية ضد الاستعمار والقصر؛

2 – رفض الأحلاف العسكرية وإلغاء معاهدة 1936؛

  3 – السماح بترقية الجنود إلى ضباط؛

 4- إقامة عدالة اجتماعية وحياة ديمقراطية سليمة.

   وكان ذلك البرنامج هو الأساس لصياغة النقاط الست المشهورة التي وضعت في عام 1954 وإن كان حدثت بعض التغييرات في بعض المفهومات الواردة في النقاط الست عن تلك الواردة في البرنامج.
 
 
* سؤال

* في النهاية نود أن نسأل عن الكيفية التي بدأت بها العمل السياسي؟ وكيف تطور تفكيرك ومعتقداتك في الفترة السابقة على الثورة؟



* الإجابة

 * بدأت العمل السياسي داخل الجيش ابتداء من عام 1941، أي بعد تخرجي بشهور قليلة. وكنت في البداية مع مجموعة عزيز المصري ثم الإخوان المسلمين. وأذكر أني كنت مع عبدالناصر عام 1944 في تنظيم الجيش المرتبط بالإخوان المسلمين. وبعد ذلك اتجهت للحركات اليسارية. وأذكر أني بدأت أتبنى الاتجاه اليساري أثناء وجودي في جماعة الإخوان المسلمين حيث بدأت أقرأ في ذلك الحين عن الاشتراكية. فجماعة الإخوان المسلمين لم تكن تقدم للإنسان ردودا على القضايا الوطنية والاجتماعية. وساعد أيضا في تطور فكري السياسي ضابط في سلاح الفرسان هو محمد ابراهيم فهمي. وكان مؤمنا بالوفد ويكره اسماعيل صدقي ويدافع عن الديمقراطية وحكم الأغلبية. وكان هذا بمثابة عنصر جديد بالنسبة لي وتأثرت به. وهناك ضابط آخر من سلاح الفرسان أيضا قرأت عن طريقه في الاشتراكية العلمية حيث وجدت التفكير الذي يشرح للإنسان قضايا العالم وقضايا الوطن بأسلوب علمي جذبني إلى هذا الاتجاه. وكان عام 1947 بالنسبة لي نقطة التحول الكامل نحو اليسار.  

المرجع: كتاب حدتو ذاكرة وطن
 


مركز ابن عروس للذاكرة الوطنية
جميع الحقوق محفوظة 2013
تنفيذ الموقع: شهدي عطية
اللوجو: الفنان حسانين